عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

517

اللباب في علوم الكتاب

وقال آخرون : الآية من باب الخبر ، والنّسخ لا يتطرّق إلى الأخبار ، إنما يرد على الأمر والنّهي ، وقوله : « يحاسبكم به اللّه » خبر ، وهؤلاء ذكروا في الآية وجوها : الأول : أن الخواطر الواردة على النّفس قسمان : منها : ما يعزم على فعله وإيجاده ، فيكون مؤاخذا به ؛ لقوله - تعالى - : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ البقرة : 225 ] ، وقال بعد هذه الآية : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] ، وقال : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ النور : 19 ] . ومنها : ما يخطر بالبال مع أنّ الإنسان يكرهها ولا يمكنه دفعها ، فهذا لا يؤاخذ به . الثاني : أن كلّ ما كان في القلب ممّا لا يدخل في العمل ؛ فإنه في محلّ العفو . وقوله : « إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه » فالمراد منه أن يوجد ذلك العمل ، إمّا ظاهرا وإمّا خفية ، وأمّا ما يوجد في القلب من العزائم والإرادات ، ولم تتّصل بعمل ، فذلك في محلّ العفو . قال ابن الخطيب « 1 » : وهذا ضعيف ؛ لأن أكثر المؤاخذات إنّما تكون بأفعال القلوب ؛ ألا ترى أنّ اعتقاد الكفر والبدع ليس إلّا من أعمال القلوب ، وأعظم أنواع العقاب مترتّب عليه . وأيضا : فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب ، لا يترتّب عليها عقاب ؛ كأفعال النّائم والسّاهي . الثالث : قال « 2 » الحسن : كلّ من أسرّ عملا أو أعلنه من حركة من جوارحه ، أو همّة في قلبه ، إلّا يخبره اللّه به ويحاسبه عليه ، ثم يغفر ما يشاء ويعذّب من يشاء ؛ لأن اللّه - تعالى - أثبت للقلب كسبا ؛ فقال : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ البقرة : 225 ] . الرابع : أن اللّه - تعالى - يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم أو أخفوه ، ويعاقبهم عليه ، غير أنّ معاقبته على ما أخفوه ممّا يعملوه هو ما يحدث لهم في الدّنيا من الهمّ والغمّ والمصائب ، والأمور التي يحزنون عليها . روى الضّحّاك عن عائشة - رضي اللّه عنها - : قالت : سألت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ما حدّث العبد به نفسه من شرّ كانت محاسبة اللّه - تعالى - عليه ، فقال : يا عائشة ، هذه معاتبة اللّه - عزّ وجلّ - العبد بما يصيبه من الحمّى والنّكبة ، حتّى الشّوكة والبضاعة يضعها

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 109 . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 272 .